انشطار المشاعر على أبواب المجلس الوطني الفلسطيني


استلمت الدعوة للمشاركة في أعمال الدورة الثالثة والعشرين للمجلس الوطني الفلسطيني، التي ستقع أعمالها بين الثلاثين من نيسان وحتى الثالث من أيار. الدعوة مرفقة بجدول أعمال يحتوي على أربعة عشر بنداً، عرض مآلات القضية الوطنية من أجل مواجهتها، مراجعة المرحلة التي بدأت في العام 1993 ولا تنتهي عند صفقة القرن العام 2018. بين مرحلة ابتدأت حُبلى بأمل وأفق خلاص متدرج من الاحتلال، ونهايات إجهاض مكتسبات ورؤى وأحلام.. إذن نحن أمام دورة تنعقد بعد اثنين وعشرين عاما من الدورة التي سبقتها في العام 1996. أصبحنا تحت احتلال وانقسام.

على خلاف جميع الدورات، يعتريني شعور بمسؤولية خاصة تجاه المشاركة والمقاطعة على حدٍ سواء، مُندَغمٌ بالموقف الجمعي المتحسس للمخاطر المحيقة بالاجتماع المهم الذي نذهب إليه، اجتماع ضروري بشكل استثنائي، نظرا لأهمية المؤسسة الذاهبين إليها، إنقاذها من حالة الاهتراء وصولاً إلى الاندثار. مُلَخّصٌ موضوعيّ للحالة المعقدة، في المستوى الخاص والعام.

الحالة الشخصية المعقدة: نصفي يسجل كجهاز كمبيوتر الوقائع دافعا إلى الحضور، ونصفي الآخر أخرس ككتلة خرسانية، لا يمكنها التعبير. شعور بالمسؤولية يركض بي نحو المشاركة، وشعور موفور الانسحاق بفعل القسوة التي دفعها الانقسام إلى سطح التكوين، بما يجعل الحضور أو المقاطعة استقطابا جديدا يتخذ شكل الانتقام من الحالة التي أدت بنا إلى التردي القيمي المقيم. نصف عقلي يريد التواجد والحضور ونصفي الآخر يتجمد خلف غرفة الاجتماع.

سواء كنت في قاعة الراحل أحمد الشقيري أو خارجها، سأبقى أعاني من ازدواجية، انقسام على نفسي، انشطار بين موقفين، توزيع العقل بين الخاص والعام، الموقف الفردي والجمعي. ليس انتصارا لأي من الطرفين المنقسمين، بل ما فعلوه بإنسانيتي، الانقسام الذي احتلّنا أكثر من الاحتلال. الانقسام لم يعد جغرافياً أو انقساماً في النظام السياسي، بل شطر نضالنا وإنسانيتنا ويومياتنا وبرامجنا.

ما العمل في الحالة التي أفرزت انقساما جديدا: قطاع واسع أتخد قراراً لا عودة عنه بالمشاركة، وقطاع آخر اتخذ قراراً مناقضاً بالمقاطعة لا رجعة عنه..كيف يمكن التأثير أو الخروج من المأزق بما يلبي نداء العقل والضمير.. هل يمكن التأثير قليلا في مجرى التحضيرات والأعمال التمهيدية بما يحول الدورة الثالثة والعشرين إلى دورة توحيدية. هل يمكن في الأسابيع المتبقية أن يُبذَل جهد نوعي نحو القيام بالخطوات النظامية المتفق عليها ضمن ما اتفق عليه في بيروت بما ينزع فتيل التجاذب.. حتماً ستؤثر الجهود في تحويل مجرى المشاركة.. إسقاط الذرائع وفقاً للقاعدة الفقهية المعروفة..إزالة تشوش الرأي العام أولاً.

إسقاط الذرائع، مقاربتنا الوطنية، مقاربة تصالحية مع الأثر الذي تركه الانقسام على تكويننا. مقاربة تنتمي للمدرسة الواقعية المستقلة بامتياز. لست أحد أطراف الانقسام أو من أهله ليتم إلحاقي بهم قسراً، فعلى مدار عشر سنوات ونحن نقاوم اليأس والقنوط والإحباط، مقاومة انكماش الضمير واعتناق المذاهب السلبية وتبادل التهم، وعندما تلوح لحظة توفر فرصة أمل، كالانتفاضة التي جددها شعب غزة بقوة مبهرة، نقع في مأزق جديد وأزمة أكبر! 

البعض يريد إقناعنا وهو محق تماماً وفق الحالة الفلسطينية، أن انعقاد المجلس ليس نهاية المطاف.. حقائق الأمور والتجارب تقول إن الواقع قد تقلَّبَ منذ العام 2007 أكثر من مرة، حتماً سيأتي بعد الدورة الثالثة والعشرين دورات أخرى، لكن اللحظة المتشكلة في نهاية نيسان نوعية لا تشبه غيرها، سيمضي وقت قبل أن ينقلب المشهد عن صورة دورة لم تُبذَل من أجلها جهود كافية بما يرفع للصدارة أولوية التوحد لمواجهة الاحتلال والمخططات التصفوية التي تُحاك في أميركا. لذلك علينا بذل الجهود الكافية التي تنفي أي شك في اعتبار الاجتماع ليس نهاية مطاف، إسقاط الذرائع، لرفع عن كاهل المجلس والمشاركين به تحمل مسؤولية المقاطعة.



مصدر الخبر

Facebook Comments

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.