فكوا قيدهم – عاطف أبو سيف


أطلقت مجموعة من الشبان والفتيان “هاشتاغ” على مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لقضية الأسرى والمطالبة بإطلاق سراحهم تحت عنوان “فكوا قيدهم”.

الهشتاغ يطمح للتعريف بمعاناة الأسرى ووضعهم داخل السجون وبنضالات الحركة الأسيرة وحشد التأييد خاصة في العالم من أجل الضغط لإطلاق سراحهم.

آن للقيد أن ينكسر، ولفجر الحرية أن ينبلج ولشمس الحياة أن تعيد سطوعها مرة أخرى.

هذه هي حال لسان المنظمين. على العالم أن يكون أكثر حزماً لردع انتهاكات إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني ولوقف كل ما تقوم به من طغيان وجبروت، وعليه أن يعمل من أجل تحرير أسرى الحرية من قبضة الجلاد.

هؤلاء الأسرى الذين يذوقون كل صنوف العذاب ويتعرضون لأبشع الممارسات ويعيشون حياة قاسية فيما جلادهم يستمتع بمعاناتهم بسادية غير مسبوقة في التاريخ.

“فكوا قيدهم” صرخة من أجل الحرية، من أجل الكرامة، من أجل أن ينتصر العالم لإنسانيته، من أجل أن ينتصر الحق وتظهر الحقيقة.

“فكوا قيدهم” دعوة من أجل أن نعيد التركيز على قضية الأسرى التي يجب ألا تتراجع بأي حال من الأحوال في سلم أولوياتنا، ونظل نضعها في مكانها الصحيح الذي يليق بها والذي يليق ببطولات وتضحيات حركتنا الأسيرة.

من هنا فإن الدعوة لفك قيد الأسرى هي دعوة لفك قيدنا من هموم الواقع والغوص في أزمات الراهن وإعادة التفكير في المستقبل الذي نريد، مستقبل مؤسس على الحرية ومبني على الكرامة، وعلى إعادة تأثيث حياتنا بالشعارات التي تطمح للمستقبل أمام الخذلان الذي نعيشه في عالم الواقع.

بالطبع الأمر يتزامن مع يوم الأسير الفلسطيني الذي يصادف السابع عشر من الجاري، وقضية الأسرى بما تتمتع به من دعم متواصل بين شرائح المجتمع تظل قضية كبرى بالنسبة للشعب الفلسطيني وهو يخوض غمار معركة العودة عبر مسيرات العودة التي انطلقت في الذكرى 42 ليوم الأرض، وتستمر حتى الذكرى السبعين للنكبة.

وكل هذا ليس للاحتفال بل لتذكر الألم الذي يستوطن الروح ويسكن في الثنايا، ونحن نستعيد تلك المشاهد الرهيبة التي تم خلالها اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه ورميه في المجهول في محاولة لطمسه من الحياة وإزالته من الوجود.

هؤلاء الفتية والفتيات وهم يقفون عزلاً من دون أي سلاح إلا إيمانهم بعدالة قضيتهم هم أحفاد الرجال والنسوة الذين تم اقتلاعهم من أرضهم وتهجيرهم من مدنهم وقراهم ومضاربهم ليحولوا إلى لاجئين مشردين، لكن الأحفاد يعودون إلى الحدود، يقفون على عتبات عودة يدركون أنها ستتحقق.

بالعودة إلى الجهود التي يبذلها الشبان والشابات لإسناد قضية العودة فإن مثل هذه الجهود تتطلب التفافاً شعبياً كبيراً خاصة من نشطاء التواصل الاجتماعي والمنصات المختلفة من أجل التأكيد على مركزية قضية الأسرى في النضال الفلسطيني، ونشر الاهتمام بهذه القضية العادلة والتعريف بما يعانيه الأسرى خلف الجدران وفضح ممارسات إدارة السجون بحقهم.

من المؤكد أن هذا جزء من واجب وطني عريض يقع على عاتقنا نحن الطلقاء الذين نتمتع بتفاصيل حياتنا العادية ونتحرك رغم كل القيود التي قد تفرضها الحواجز والحدود، لكننا نتحرك ونتصرف ببعض الحرية فيما هناك الآلاف الذين قرروا طواعية أن يتنازلوا عن حريتهم ويخاطروا بها ويغامروا بحياتهم وبسني عمرهم التي باتوا يقضونها خلف الجدران وفي الزنازين من اجل أن نتمتع نحن بكل ذلك.

تضحية لا تضاهيها أي تضحية إلا تضحية الشهداء بأرواحهم، والأسرى ليسوا إلا شهداء مع وقف التنفيذ.

وهذا يتطلب جهوداً في مجال الإعلام الاجتماعي باللغات الخارجية خاصة اللغات الأكثر انتشاراً في العالم الإنجليزية والفرنسية والأسبانية.

يجب التعريف بقضية الأسرى بهذه اللغات، على العالم أن يعرف أن هناك أسرى فلسطينيين يمضون عقدهم الرابع خلف الجدران، وأنهم يتعرضون للعزل والتعذيب والتنكيل والمساس بحقوقهم المعيشية حتى داخل السجون في انتهاك واضح وصريح للقانون الدولي ولكرامة الإنسان.

كل ذلك يجب أن يتم بالتنسيق مع الجاليات الفلسطينية في الخارج وأيضاً الجاليات العربية بحيث تتكامل الجهود تجاه إبراز القضية بما يليق بها.

“فكوا قيدهم” يجب أن تترجم بلغات مختلفة ويتم التغريد بها بلغات مختلفة. هذه فرصة لإعادة تسليط الضوء على معاناة أسرانا الأبطال.

الأسرى الذين غيروا معادلة الأسرى وقدموا لنا بجانب تضحياتهم دروساً بالغة الأهمية في سبل هزيمة المحتل.

الأسير الفلسطيني قلب المعادلة وغير منطق الأشياء. لم يقبل أن تكون علاقته مع سجانه علاقة عادية حيث بات السجان سجيناً والسجين هو من يسجن سجانه.

ذات المعادلة التي صاغها المتظاهرون السلميون عند المناطق الحدودية في مسيرات العودة حيث بات الفتيان العزل هم المتسلحين بالقوة، وصار الجندي المدجج بالسلاح هو الأعزل الذي لا يملك أي قوة، لأن كل ما أوتي من سلاح وعتاد بات بلا نفع أمام إرادة الفتيان المتمترسين خلف حقهم الراسخ.

هذه معادلة مهمة كان لأسرانا البواسل شرف تطويرها وفرضها على سجانهم، وباتوا هم أحراراً طلقاء رغم جدران الأسر.

الجمعة القادمة من مسيرة العودة مخصصة للشهداء والأسرى من أجل التأكيد على التمسك بعهد الشهداء والأسرى الذي قدموا حياتهم في سبيل حرية شعبهم. 

جمعة الوفاء للأسرى وللشهداء للقول لإسرائيل إنهم طلقاء بيننا وإن الشهداء أحياء لم تنجحوا في إزالتهم من أرض المعركة.

ساءني وأنا أمر في الجندي المجهول صباح أمس، سيارة إذاعة تبث أغنية للأسرى هي تحوير حزبي لرائعة “من سجن عكا طلعت جنازة” رائعة الثورة الفلسطينية ورائعة نوح إبراهيم من ثلاثينيات القرن الماضي.

لقد شعرت بأن أحداً يسطو على إرثي وتاريخي من خلال تحويل هذه الأغنية الأشهر للحركة الأسيرة إلى أغنية بكلمات حزبية باهتة مملة. ارحموا تراثنا واحترموا كرامتنا وتمسكنا بها، واحترموا إرث أسرانا الأبطال.



مصدر الخبر

Facebook Comments

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.