بقلم: باتي والدماير وتوم هانكوك

يقول بيل وايكس، بينما كان يغرس شريحة صغيرة في حزام فول الصويا بولاية إلينوي، على بعد ساعة ونصف من شيكاغو، المدينة التي بنتها الحبوب: “أَنظُرُ إلى حقل الحبوب لديّ، وأعلمُ أن ثلث الناتج سيذهب إلى الصين”.

على مدى العقد الماضي، راهن وايكس وكثير من المزارع العائلية المحيطة في مقاطعة كيندال بصورة كبيرة على الصين واستهلاكها المتزايد من اللحوم، وهو الذي يحرك مشتريات الأعلاف الحيوانية المصنوعة من فول الصويا.

يقول وايكس (63 عاماً)، الذي ضاعف المساحة المزروعة من فول الصويا، من أجل تلبية الطلب المتزايد الذي يأتي جله من الصين: “منذ 15 عاماً، لم نكن نصدر حبة واحدة إلى الصين”.

هذه الحقول هي الآن في قلب حرب تجارية تلوح بالأفق بين أكبر اقتصادين في العالم، بعد أن هدّدت كل من الولايات المتحدة والصين بفرض رسوم جمركية بمليارات الدولارات على الأخرى.

وفي حين أن الولايات المتحدة تتهم الصين بسرقة الملكية الفكرية لتبرير رسومها الجمركية، تحاول بكين أن تدق إسفيناً بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وأنصاره في المناطق الريفية، التي سيحتاج إليها في الانتخابات النصفية لهذا العام وفي سعيه للحصول على إعادة انتخابه، العام 2020.

لا تزال الولايات المتحدة والصين في طور إظهار القوة دون الاصطدام المباشر؛ ولا يُتوقع فرض أي رسوم جمركية فعلية لمدة شهرين آخرين.

النزاع تصاعد بسرعة خلال الأسبوع الماضي، بعد أن كشفت إدارة ترامب النقاب عن خطط لفرض رسوم جمركية على نحو 1300 مادة من الواردات الصينية يوم الثلاثاء الماضي، وردت بكين في غضون ساعات أنها ستفرض 25 في المائة من الرسوم على وارداتها من فول الصويا الأميركية، ضمن سلع أخرى مستهدفة بالرسوم.

منذ ذلك الحين، أرسلت الولايات المتحدة إشارات متضاربة. أشار لاري كودلو، كبير المستشارين الاقتصاديين للبيت الأبيض، الخميس الماضي، إلى أن الإدارة منفتحة على التفاوض.

وقال للمراسلين: “ليست هناك إجراءات فورية. سيكون هناك نقاش كبير حول هذا الموضوع”. وهدد ترامب بفرض رسوم جمركية أخرى بقيمة 100 مليار دولار على الواردات الصينية.

مع سعادة كلتا الحكومتين بتصعيد الخطاب، أصبحت المواجهة اختباراً للإرادة السياسية. من الناحية النظرية، الصين أكثر انكشافاً في الحرب التجارية لأنها أكثر اعتماداً على الصادرات إلى الولايات المتحدة من اعتماد الاقتصاد الأميركي على إرسال البضائع إلى الصين. ربما يأمل ترامب في الاستفادة سياسياً من اتخاذ موقف متشدد تجاه الصين.

ومع ذلك، تعتقد بكين أن إدارة ترامب ستتعرض لضغوط شديدة من الزراع وجماعات الضغط الأخرى للتراجع عن حرب تجارية، خاصة في عام الانتخابات.

الصين هي إلى حد بعيد أكبر سوق أجنبية لفول الصويا الأميركي، حيث شكلت نحو 56 في المائة من صادراتها التي بلغت 22 مليار دولار في العام الماضي.

الاعتماد الاقتصادي المتبادل يعني أن كثيراً من الشركات الأميركية تعتمد على الطلب الفعال من السوق الصينية.

يقول إيفان ميديروس، المدير السابق لمنطقة آسيا في البيت الأبيض الذي يعمل الآن في مجموعة يوراسيا: “تعتقد بكين أنها قادرة على تحمل قدر من الألم أكثر من الولايات المتحدة”، مضيفاً: إن قائمتها الخاصة بالرسوم الجمركية هي “بمثابة استهداف دقيق لبعض الدوائر الانتخابية الرئيسة لترامب”.

مقاطعة كيندال، بالمقاطعة الانتخابية الـ 14 في إلينوي، وهي المنطقة التي سيراقبها السياسيون من كثب في الأسابيع المقبلة، فاز الجمهوريون بنسبة لا بأس بها منذ عامين، ولكن وسط مؤشرات الى وجود موجة محتملة للديمقراطيين في انتخابات تشرين الثاني المقبل، حوّلها “تقرير كوك السياسي” غير الحزبي إلى عمود من السباقات التي يمكن أن تصبح تنافسية هذا العام.

يمتد حزام فول الصويا الأميركي عبر الغرب الأوسط من إلينوي إلى مينيسوتا ونبراسكا نزولاً إلى وادي نهر المسيسيبي إلى أركنسو.

وهو يشتمل على المناطق التي صوتت بشدة لمصلحة ترامب في العام 2016، فضلاً عن الولايات المتأرجحة المهمة مثل أيووا.

ووفقاً لمعهد بيترسون في واشنطن العاصمة، يمكن أن يؤدي أي خلل كبير في صادرات فول الصويا إلى فقدان وظائف بنسبة أكثر من 20 في المائة بمقاطعة مسيسيبي في ولاية ميسوري، التي ستعقِد واحداً من أكثر منافسات الحصول على مقعد في مجلس الشيوخ هذا العام.

وقال السيناتور الجمهوري من ولاية نبراسكا بن ساس: “ترامب يهدد بإشعال النار في الزراعة الأميركية. أنا أؤيد تماما التصدي للسلوك الصيني السيئ، ولكن من خلال خطة تعاقب الصينيين بدلا من معاقبتنا نحن”.

عندما أعلنت الصين عن خططها فرض رسوم جمركية على فول الصويا، الأربعاء الماضي، انخفض سعر فول الصويا 40 سنتاً للبوشل (سعة يبلغ حجمها نحو 35 لتراً)، كما يقول وايكس.

ويضيف: “بالنسبة لمزارع لديه أرض مساحتها 500 فدان في المتوسط (نحو ألفي دونم)، فإن هذا انخفاض قدره 12 ألف دولار خلال عشر دقائق، وهو ما يمكن أن يكون مدمراً”.

ومع ذلك، لا توجد مؤشرات تذكر حتى الآن على انقلاب زراع الصويا على ترامب. يقول وايكس: “لا أعتقد أن أحداً وصل إلى هذه النقطة حتى الآن”.

ويقول جيمس مارتر، رئيس الحزب الجمهوري في مقاطعة كيندال: إن تهديدات الرسوم الجمركية ليست سوى حيلة: “أعتقد أن ترامب يستخدم سياسة العصا كأداة للتفاوض”.

بوب ستيوارت، وهو مزارع آخر في ولاية إلينوي، يضع الإعلان عن الرسوم الجمركية، هذا الأسبوع، في منظور أوسع، فيقول: “استقرت عائلتي هنا في ستينيات القرن الـ 19، وهذا لن يجعلنا نتعرض للإفلاس”.

على الرغم من أن الأعمال الزراعية للعائلة “ربما خسرت 200 ألف دولار”، الأربعاء الماضي، بسبب الإعلان عن الرسوم الجمركية إلا أنه لا يزال يعتزم زراعة فول الصويا في الحقول التي عادة ما يتم تدويرها لمصلحة زراعة الذرة هذا العام – “وهو أمر لم نسمع به من قبل” – بسبب الطلب القوي.

وهو لا يرى أن الرسوم الجمركية ستضر بفرص ترامب في الانتخابات. لدى زراع فول الصويا لوبي قوي، “من حيث قوة التصويت، لسنا أقوياء: لم يبق سوى عدد قليل جداً من الزراع”.

جون جرين، الخبير في سياسة الغرب الأوسط الأميركي في جامعة أكرون، يقول: إن كثيراً من الناخبين بالمنطقة متعارضون في مواقفهم: هم يدعمون الهدف الرمزي المتمثل في التوصل إلى أحكام تجارية “عادلة” مع البلدان الأجنبية، على الرغم من أنها يمكن أن تضر بهم مالياً، ولكن ربما لن يصيبهم الألم إلا بعد فترة في المستقبل.

ويضيف: “حتى الآن كل هذا هو كلام في كلام، هذه الأشياء تحتاج إلى وقت طويل حتى تأخذ مفعولها. من المحتمل تماماً أننا لن نرى التأثير الاقتصادي لها بحلول انتخابات 2018”.

يجادل تشارلي كوك، محرر “تقرير كوك السياسي”، بأن كثيراً من ناخبي ترامب في الواقع ليسوا فعلاً مدفوعين بالمصالح الاقتصادية التي يمكن أن تتأثر في نزاع تجاري.

ويضيف: “أعتقد أن كثيرا منهم مدفوع بالعداء تجاه النخب والعداء تجاه الناس في المناطق الحضرية، والأشخاص الذين يعيشون على الساحلين الشرقي والغربي، على حد سواء”.

إذا كانت هناك حرب تجارية، يمكن أن تتعرض الحكومة الصينية لضغوط سياسية أيضا، بالنظر إلى الدور الفريد لفول الصويا في اقتصادها.

النمو الهائل في تجارة فول الصويا خلال العقدين الماضيين، هو أيضا قصة يمكن ربطها بالتوسع في حجم الطبقة الوسطى الصينية.

أدت ثلاثة عقود من ارتفاع الدخول إلى دفع استهلاك الفرد السنوي من اللحوم في الصين إلى أكثر من الضعف من 20 إلى 50 كيلوجراماً منذ أواخر الثمانينيات. الماشية من أكثر اللحوم شعبية في الصين والمذبوحة منها في البلاد ارتفع من أقل من 400 مليون إلى 700 مليون في السنة خلال الفترة نفسها.

مادة اللحم كانت نادرة قبل 40 عاماً، كما تتذكر تشاو جيفانج، 87 سنة، التي نشأت في سيتشوان الريفية. “كنا نأكل اللحم مرة أو مرتين في السنة. الحيوانات كانت تتغذى على العشب، لذلك كانت تربيتها تستغرق سنة”.

مثل هذه الزيادة في الطلب لا يمكن تلبيتها من قبل منتجي الفناء الخلفي للمنازل الذين كانوا يهيمنون على السوق. بدلاً من ذلك، عززت الصين صعود مربي الحيوانات الكبار، الذين تزودهم مجموعات الأعمال الزراعية التي تنتج الأعلاف من فول الصويا الغني بالبروتين، والمناسبة بشكل مثالي لتسمين الحيوانات.

إنتاج الصين نفسها من فول الصويا يشكل 4 في المائة من الإمدادات العالمية، إلا أن ذلك القدر لا يكفي إلا لتغطية ستة أسابيع من استهلاك الصين فحسب. ونتيجة لذلك، انفجرت واردات الصين من فول الصويا من نصف مليون طن قبل 20 عاماً إلى 96 مليون طن في العام الماضي، وهو ثلث إمدادات العالم.

بكين لديها أيضاً خيارات قليلة بشأن الأماكن التي يمكنها أن تستورد منها. تنتج الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين نحو 90 في المائة من فول الصويا في العالم – الأرجنتين تصدر بشكل أساس فول الصويا المطحون غير المرغوب فيه، في الصين.

وقال محللون في Guotai Junan Securities في مذكرة أخيرة: “يمكن للصين أن تختار أساساً من بين البرازيل والولايات المتحدة، في الأساس”.

بالنسبة لبكين يقف التقويم إلى جانبها. الخريف وأوائل الشتاء في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، هو الموسم الذي تستورد فيه فول الصويا من البرازيل: هناك نافذة لمدة ستة أشهر قبل أن تبدأ في الاعتماد على الشحنات من الولايات المتحدة.

فيما وراء ذلك، يحقق المخططون الصينيون فيما إذا كان بإمكانهم استيراد مزيد من البرازيل. في وقت سابق من هذا الشهر قال وين بنج تشنج، أحد مؤسسي شركة وينز للمواد الغذائية، إحدى أكبر مجموعات علف الحيوانات في الصين: “من دون فول الصويا الأميركي، ينبغي أن تكون هناك بلدان أخرى مثل البرازيل، قادرة على الاهتمام بتلبية احتياجاتنا المتزايدة من فول الصويا”.

فول الصويا ومخاطر التضخم

الخطر الكبير الذي تواجهه بكين هو أن تعمل الحرب التجارية على دفع التضخم إلى الأعلى – وهو شيء يعاني الحزب الشيوعي حساسية مستمرة تجاهه على الدوام، بالنظر إلى احتمال حدوث اضطرابات اجتماعية مع انعكاس جموح التضخم إلى مزيد من إفقار الفقراء، ولربما متوسطي الدخل، ليس في الأرياف فحسب، بل في المدن.

وفي حين أن من شأن الانصراف عن استيراد من خمسة إلى عشرة ملايين طن من إمدادات فول الصويا من الولايات المتحدة والرهان على الاستيراد بدلاً عنها من البرازيل، أن يسبب ألماً للزراع الأميركيين، إلا أن ذلك سيعطي البرازيل مزيداً من قوة التفاوض لفرض التسعيرة التي تريدها، بما يحرج المشتري الصيني.

يضيف جوتاي جونان: “أسعار فول الصويا المرتفعة ستنتقل إلى أسعار اللحوم والنفط، ما سيزيد من التضخم المحلي”. وفي الوقت الذي اقترح فيه بعض المدونين الصينيين تبني نظام غذائي يعتمد على الخضار لأسباب وطنية، إلا أن من غير المرجح أن يتخلى سكان المدن المحبين للدجاج المقلي، عن الشره المتنامي في تناول اللحوم، عموماً.

وتشير شركةTS Lombard الاستشارية إلى أن ارتفاع أسعار فول الصويا بنسبة 10 في المائة في الصين، من شأنه أن يرفع التضخم بنسبة تقل من 0.2 في المائة، وهو ما يشير إلى أن لدى الصين مجال أفسح للمناورة.

ستواجه بكين ضغوطاً من صناعة فول الصويا الجديدة المزدهرة فيها طوال عقود، إذ إن هناك الآن مئات من المستوردين والكسارات وشركات الأعلاف ومنتجي اللحوم، التي توظف أعداداً هائلة من العاملين تقدر بمئات الآلاف من الناس.

يعاني القطاع الطاقة المفرطة، ما يعني أن الشركات ستعترك مع ارتفاع التكاليف. يقول فنج يونج هْوي، محلل صيني لصناعة اللحوم: “ستتحدث الشركات بالتأكيد إلى الحكومة حول هذا الأمر”.

الطريقة الوحيدة للصين لفطم نفسها عن فول الصويا الأميركي بالكامل هي ضخ الأموال في مناطق جديدة لتعزيز إنتاجها من فول الصويا. تحدث بعض المسؤولين، على سبيل المثال، عن دول تطل على البحر الأسود مثل أوكرانيا.

حين تفعل ذلك، فإنها تسير على إثر تجربة اليابان، التي استثمرت بكثافة في إنتاج فول الصويا في البرازيل في السبعينيات. وقد أسهم ذلك الجهد في نهاية المطاف في ظهور البرازيل كمنتج رئيس لفول الصويا.

كتب فريد جيل، المحلل في وزارة الزراعة الأميركية: “من المؤكد أن الحكومة الصينية وقادة الشركات الزراعية سينشغلون بمحاولة استحداث البرازيل المقبلة، في مكان ما في العالم”.

على أن مثل هذه الخطة طويلة الأجل، لن تساعد بكين في المواجهة الحالية مع ترامب، فهي تخضع لحسابات وسيطة الأجل إن لم تكن قصيرة الأجل.

عن “فاينانشيال تايمز”. 



مصدر الخبر

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *