( في اشي غلط ) !! الخلل في الرؤية ..والخطأ في المعالجة ..د. غازي حمد


( في اشي غلط ) !! الخلل في الرؤية ..والخطأ في المعالجة ..د. غازي حمد

(1) كذبة الخروج من عنق الزجاجة!! 

يبدو أن الحالة الفلسطينية (دخلت في الحيط) أو علقتفي المصيدة، وغلبت الحيرة على السياسيين وأصحاب القرار في ابتداع مخرج، وباتت الأبواب مغلقة، والفرص ضائعة والجهود مبعثرة.

حالة الضغط والحيرة هذه غالباً ما تحشر الجميع إما في زاوية اليأس، أو في الهرولة للبحث عن حلول ترقيعية؛ لأخذ قسط من الراحة من تتابع الازمات، أو ما يسمونه ب(الخروج من عنق الزجاجة)!!

وهذه أزمة العقل الفلسطيني!!

هناك من يتسرع، ويبدأ في إعادة استنساخ الحلول القديمة، مثل الحديث عن إدارة غزة أو هيئة وطنية للمعبر، أو إجراء انتخابات بلدية. 

حتى موضوع الانتخابات، وإن بدت في ظاهرها مفتاحاًسحرياً، إلا أنها – إن لم توضع ضمن إطار التوافق الوطني- فإنها ستعيد استنساخ الأزمة من جديد، وتخلق نظاماً سياسياً مشوهاً.

قبل أن تفكروا بالأفعال فكروا في النتائج , المسألة ليست (رمي شغل)!!

نحن أدمنا هذه الطرق والأساليب التقليدية في علاج المشاكل والخلافات حتى الثمالة منذ أكثر من ربع قرن. ولم نفلح لغاية الآن في حل مشكلة واحدة، بالعكس، فقد زادت الأمور سوءاً، فلا المصالحة تمت، ولا التهدئة تحققت، ولا نجحنا في الخروج من الفشل السياسي للسلطة وبرنامجها، ولا في الخروج من واقع غزة الإنساني الصعب، ولا في تجسيد علاقات وطنية متينة غير قابلة للاهتزاز. وبقينا ندور حول أنفسنا، وشغلنا بها حتى أصابنا الدوار وضاقت علينا السبل.

ولأننا خضنا، طوال السنوات الماضية، حوارات عقيمة (فقط لإطفاء الحرائق)، ولأننا وقعنا اتفاقات هشة قابلة للكسر،ولأننا بنينا الكثير من التوقعات على افتراضات موهومة، وصلنا إلى ما وصلنا إليه من نتائج كارثية. 

حسب علم المنطق، فإن البدايات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة!!!

ولأن الجسد الفلسطيني طال عليه الامد، وأصابه المرض العضال، فقد تعقدت المشاكل وزادت الشروط. بدأنا منشرط (العودة عن الانقلاب) 2007، إلى أن وصلنا إلى شروط (التمكين ورفع العقوبات) 2018 !! 

كل يوم يمر تضاف مشكلة جديدة، وتزداد الفجوة، وتنحسر فرص الحل، ويكبر الوجع.

إن ما يجري هو نتيجة حتمية للتراكمات والمعالجاتالخاطئة طوال عقود، يتحمل الكل فيها مسؤولية، بغض النظر عن نسبة من أفسد، ونسبة من لم يستطع الإصلاح.

لهذا كله, ومن أجل كسر الاستعصاء والخروج من (الزجاجة) كلها، يجب-اولا وقبل كل شيء- عمل انقلاب/انتفاضة على منهجية وآليات التفكير القديمة والبالية،واستبدالها بأخرى مختلفة تماماً. لكن قبل ذلك، يجب تنظيف الطاولة من الموروثات القديمة: الحزبية الحادة ..الحسابات الضيقة .. الحلول الترقيعية، والارتهان لتدخل الوسطاء، وأخيراً: نظيفة من التكالب على سلطة تحت الاحتلال، اعترف رئيسها أن مقاليدها ليست بيده انما بيد الاحتلال!!

(2) الحرق المنظم للوقت .. والنظريات الفاشلة  

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، لماذا بعد هذه السنوات الطوال، وبعد عشرات الجولات من الحوار، والمئات من الأوراق والمقترحات والتعديلات، والتنقل بين العواصم، وصلنا إلى طريق مسدود، فيما هنالك الكثير من الصراعات الكبرى في العالم قد وجدت طريقها للحل.

هناك أسباب كثيرة ، منها:

1- الغرق في القضايا الصغرى والتفصيلية، وتجاهلمعالجة القضايا الرئيسة (المفاتيح)، ما أدى إلى تراكم كم هائل من المشاكل والتعقيدات، ولو كانت البدايات تقوم على قاعدة صلبة، أي رؤية وطنية وبرنامج سياسي متفق عليه، لكانت المشاكل الصغرى تحل تلقائياً. يبدو أننا (تلذذنا أو تلهينا) كثيراً في السباحة في بحر المشاكل الصغيرة، وقولبتها وإعادة تدويرها،ثم تلوينها، ثم إعادتها إلى طاولة الحوار مرة تلو أخرى.
2- الثنائية بين حماس وفتح، والتي استهلكت ردحاً من زمن الحوارات، دون أن تنجح في معالجة مواطن الخلاف، ولو كانت تعالج ضمن عنوان وطني واسع-ومنظم- يضم ممثلين عن القوى السياسية والمجتمعية والشخصيات الوازنة، لكان من الممكن تجاوز حالة الشد والتوتر، ولكان من الأسهل التوصل إلى حلول ومخارج تحظى بقبول وطني ودعم عربي وإقليمي.
3- معالجة الملفات المهمة والحساسة، غلب عليها الاستعجال وعدم توفير ضمانات ومقومات النجاح والاستدامة، وإزالة العقبات والمعوقات، ما أفضى إلى ملازمة حالة التعثر والفشل. إن ملفات خطيرة معقدة،مثل المصالحة والتهدئة وتنظيم البيت الفلسطيني كان يمكن أن تعالج بطريقة أكثر وعيا وعمقاً وأكثر حصانة،بعيداً عن أجواء الضغط، وبعيدا عن الحاجة لتحقيق مكتسبات/انجازات سريعة، سرعان ما تضيع تحت أي عاصفة سياسية!! 
4- لقد كانت هناك سياسة حرق وقت منظمة، واستفراد بأطراف الأزمة وإشغالها بأفكار ومقترحات(دوارة ومدوخة)، واستهلاكها بين العواصم، وتعميق الهوة بينها، ومع الأسف، فإن أطراف الأزمة (انساحت) مع هذه السياسات، وغرقت في جولات وهمية، وتوزعت جهودها بين مقترحات هنا، وأوراق هناك، وملاحظات هنا وتعديلات هناك، دون أن تتعب نفسها قليلاً،وتجتهد في اجتراح رؤية ابداعية متكاملة، توفر لها الدعم الوطني والشعبي، وتناضل وتصر لأجل تطبيقها وتفرضها على الأطراف.
5- عجز الوسطاء عن حسم الخلافات وتجسير الهوة ومواجهة المعطل , والاكتفاء بدور نقل الرسائل, ولو امتلك الوسطاء القدرة على الزام الاطراف بما تم الاتفاق عليه لتغيرت المعادلة كليا.

إن نظرية الانتظار(وعدم المبادرة) ثبت فشلها .. ونظرية القطيعة ثبت فشلها .. ونظرية انتظار انهيار الخصم وسقوطه ثبت فشلها.. ونظرية حل المشاكل من خلالالتراشق الإعلامي فشلت.. ونظرية العقوبات فشلت،والاتكال على الوسطاء بحل الأزمة جذرياً ثبت فشله.

هذا التيه يجب أن ينتهي.. وهذه (الدوخة) يجب أن يوضع لها حد!!

(3) أبو مازن وانتهاء الصلاحية

كرة الاتهام بالمسؤولية عن استعصاء الحالة الوطنيةتتدحرج بين أبو مازن(حركة فتح) وحركة حماس، ولم تستقر في ملعب أي منهما إلى الآن؛ لسبب بسيط، هو أنهلا يوجد (حكم) يمكن أن يفصل في ضربات الجزاء أو الهدف من حيث كونه حقيقياً أو تسللاً!!

ولأن الخصومة خرجت عن حدودها فإن الأحكام أيضا خرجت عن عقلانيتها. 

أبو مازن ارتكب سلسلة خطايا كبيرة وفادحة، أفضت إلى تعميق الهوة، ليس داخل المنظومة الوطنية فحسب، وإنماداخل البيت الفتحاوي. 

مشكلة أبو مازن تتمحور في أنه أضحى شخصية مركزية جداً – أقرب إلى الديكتاتورية – في اتخاد القرارات، ولا يسمح لأحد بالاعتراض عليه، بخلاف الرئيس الراحل أبو عمار – رحمه الله – الذي كان صدره يتسع للخلاف، ويستوعب كل أطياف اللون السياسي، ويتجاوز عن الهفوات. 

أبو مازن وصل إلى مرحلة أن يقاطع حماس، ويدير ظهره للفصائل، ويقصي كل من يعارضه داخل حركة فتح،ويهاجم خصومه، ويصفهم بالجواسيس، وغالى في ذلك حين قرر معاقبة غزة -المحاصرة أصلاً -بسبب تقارير كيدية مفبركة، تحت وهم أن حماس ترفض المصالحة،وتريد الانفصال بقطاع غزة، وأن المصريين يتآمرون عليه، وأن ملادينوف يسعى إلى تعزيز قوة حماس، وأن قطر تريد سحب البساط من تحت قدميه. 

غرق أبو مازن في أوهام لا حدود لها؛ لأنه لا ينصت للآخرين، ولا يتحرى الحقيقة، لذا لا مجال أن يتخذ القرار الصائب.

إن المراهنة على قدرة أبو مازن معالجة الوضع الفلسطيني – بطريقته الحالية – شبه معدومة، ولا يمكن أن تقود إلى أي حل وطني متفق عليه، ولا يمكن أن تخرج الحالة الوطنية من الفشل، لذا ترسخت قناعات عامة أن أبو مازن يجب أن يترك الحلبة لغيره، لمن هو أقدر منه على إخراج الحالة الفلسطينية من وهدتها، سواء بالانتخابات أو بالتوافق الوطني.

أبو مازن يجب أن يقر بفشله، ويتخلى عن عناده ومكابرتهغير المبررة في تسويق برنامجه السياسي المنهار والميؤوس منه، وفي محاصرته لقطاع غزة، وفي إصراره على إبقاء حركة فتح مجزأة ومبعثرة. وحركة فتح- كحركة وطنية ثورية-يجب أن تتحلى بالشجاعة؛ لوقف هذا التدهور في الساحة الوطنية، وألا تمنح غطاء للكارثة والمصيبة التي دفعنا إليها أبو مازن.

(4) حماس.. وضرورة تغيير النهج والوسائل

تواجه حماس معركة مفتوحة مع أبو مازن الذي يحاول حشرها في الزاوية، وتضييق الخناق عليها، من بوابة العقاب الجماعي لأهل غزة، كما تواجه تحدياً أمام استحقاقات مسيرات العودة، وكيف يمكن إقناع الجمهور بالثمرات المترتبة عليها من خلال تفاهمات التهدئة.

بذلت حماس جهوداً في اتجاهين: تحقيق المصالحة،والخروج من الأزمة الإنسانية لغزة، غير أنها اصطدمت بالمواقف المشككة والمعطلة لحركة فتح، وفي تلاعب الجانب الإسرائيلي ومماطلته، لذا اشتدت الأزمة أكثر فأكثر.

بعد هذه التجربة الطويلة والصعبة، آن لحماس أن تقيم إدارتها للحالة برمتها، وتغير شيئاً من أساليبها في معالجة الأزمة، وتتجاوز التقليدية منها، وأن تتعاطى مع النتائج أكثر مما تتعاطى مع الأعمال؛ كي تكون مجدية، وذات انعكاس إيجابي لدى الجمهور. 

لا يكفي التمترس وراء الحصار و"عقدة" أبو مازن لاستهلاك الوقت في معالجات تقليدية غير مثمرة.

مشكلة حماس، كمشكلة المجموع الفلسطيني، الذي يبحث عن حلول سريعة للخروج من عنق الزجاجة، ولا يجهد نفسه في البحث عن حلول استراتيجية مستدامة غير قابلة للانتكاسة. وللأسف، إن مثل هذا النهج، أبقى سيفالأزمات مسلطاً ومتراكماً.

يبدو أنه ترسخت قناعة خاطئة بأنه لا مجال للحلول الاستراتيجية، وأن معالجة قضايا يومية، وتحقيق إنجازات متراكمة من خلال ( قليل من التهدئة .. قليل من المصالحة .. قليل من انعاش غزة)، يمكن أن تخلق واقعا أفضل، لكن ثبت أن ذلك غير صحيح، والحقائق تقول عكس ذلك.

كما أن إدارة حماس للخلاف مع خصمها اللدود أبو مازن-والذي امتد لأكثر من 12 عاما- لم تؤتِ ثمارها في ردعه عن قراراته وعقوباته!!

أنا مقتنع، لما يزيد عن خمس سنوات، أن أبو مازن قد استفرغ جهده السياسي والسلطوي، ولم يعد هناك ما يقدمه، وأنه يجب التوافق على قيادة وطنية جديدة، وكنت أرى أن هنالك الكثير من الطرق والوسائل؛ لتحقيق ذلك بطريقة هادئة وناعمة، وبعيداً عن حالة الصخب والتوتر.

حماس فضلت أسلوب الهجوم الإعلامي، وهذه كانت سياسة خاطئة، ضررها أكثر من نفعها، وكان أمام الحركة الكثير من الخيارات ما يمكنها من اجبار أبو مازن على تغيير سياساته.

كان من الممكن لحماس أن تتكئ على قاعدة صلبة وواسعةمن القوى السياسية والمجتمعية،  للتوافق على رؤية وطنية جامعة وشاملة للخروج من حالة الانسداد الوطني، ومثل هذه الخطوة يمكن أن تشكيل ضغطاً كبيراً على أبو مازن،وتبرز انعزاله عن المجموع الوطني، أو تعيده إليه، مثلما حدث من امتناع الفصائل عن المشاركة في الحكومة، ماشكل رفضاً لسياسات أبو مازن، ودفعته للتراجع عن تشكيل الحكومة.

إن (سلاح) التوافق الوطني، الهادئ والمبرمج والمنظم والضاغط باستمرار، هو أنجع طريقة لمعالجة هكذا أزمة.

صحيح أن حماس نجحت في تحسين علاقتها بالقوى السياسة، لكنها لم تنجح في مأسسة ذلك، من خلال عنوان وطني موحد، على غرار مسيرات العودة، أو الغرفة المشتركة، كي يكون الواجهة الوحيدة في المفاوضات الخاصة بالمصالحة أو التهدئة أو غيرها، وفي مقابلة الوسطاء, وهذا يشكل حصانة وطنية قوية لأي اتفاق ويبعد عنه عوامل الفشل والانهيار.

سأكرر ثانية : ما لم يتم الانقلاب على المنهجية والتفكير والاليات التي أوصلتنا للحافة, فان الفشل سيلازمنا والازمات لن تنفك عنا !!.

لا ينبغي شراء تذكرة في اتجاه واحد !!.



مصدر الخبر

Be the first to comment on "( في اشي غلط ) !! الخلل في الرؤية ..والخطأ في المعالجة ..د. غازي حمد"

Leave a comment

Your email address will not be published.


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.