لا يمكن أن تنتصر إسرائيل في هذه المواجهة: نحتاج حلاً يمنع الانهيار


بقلم: من ناحوم برنياع

معبر كارني، يوم الجمعة. منذ العاشرة صباحا يسافر الغزيون على طريق ينزل من الشجاعية باتجاه معبر كارني، الذي كان ذات مرة نقطة اللقاء المركزية بين اقتصاد إسرائيل واقتصاد غزة. يتمركزون بين برج المياه والدفيئات الكبرى، قرب الحدود. أمامهم سياجان. واحد ممدود على خط الحدود، واسمه العسكري هو «هوبرس». هذه منظومة متطورة مزودة بكل الإضافات الإلكترونية. وغربها، داخل الارض السيادية لقطاع غزة، يمتد سياج متلو يستهدف منع الوصول الى الجدار الحدودي. وتمتد المسافة بين السياجين من 70 حتى 100 متر. هذا هو ميدان المعركة، او اذا أصررتم، منطقة القتل.

في الايام العادية، تعمل آليات وجنود من الجيش الاسرائيلي في هذه المنطقة. والفلسطيني الذي يدخل اليها يعتبر كمن يحاول اختراق الجدار الحدودي الى داخل الارض الإسرائيلية. والتعليمات في الجيش الاسرائيلي هي تفعيل تعليمات فتح النار تجاهه: بداية في الهواء وبعد ذلك في الجسد.

يحاول الفلسطينيون دحرجة اطارات سيارات مشتعلة الى داخل هذه المنطقة، على أمل أن تشعل الجدار الحدودي. في هذه الاثناء يجرون تجربة للادوات. كل إطار مشتعل تصعد منه سحابة دخان سوداء. الريح غربية. وهي تسحب الدخان إلى الزرع حديث العهد. شجرة من بذورها يستخلص زيت لأغراض التجميل. التجميل ودخان الاطارات لا يسيران معا. من هناك يسافر عمود الدخان الى بيوت كيبوتس ناحل عوز، وبعده، شرقا، باتجاه ساعد. الدخان يصور جيداً.

المعركة هي على الرواية، على الوعي. «لا توجد هنا قصة اخرى»، قال لي في الغداة أحد قادة الجيش الاسرائيلي. السؤال هو كيف يتخذ هذا اليوم صورته في عيون الاسرائيليين، في عيون الغزيين، في عيون الفلسطينيين في الضفة، في عيون الرأي العام في الدول العربية، في عيون حكومات الغرب. خمس جبهات مختلفة. كل واحدة وسياستها. اسرائيل لا يمكنها أن تنتصر في مثل هذه المواجهة. يمكنها فقط ألا تخسر.

والآن سأعقب اكثر فأكثر على هذا الوصف المركب وأقول التالي: رغم أن «حماس» واسرائيل هما عدوان لدودان، رغم أن كل طرف يسعى الى قبض روح الطرف الآخر، للطرفين توجد هنا، في قاطع معين، مصلحة مشتركة. وسأشرح.

في هذه الاثناء، في حرش الاشجار في مدخل ناحل عوز، التقيتُ قائدين من الجيش الاسرائيلي. قال احدهما: «بدأ هذا كمبادرة أهلية، في الشبكات الاجتماعية. فالتقطت «حماس» المبادرة ووجهتها باتجاهها. هي تريد عملا احتجاجيا شعبيا ولكنه عنيف. هدفها هو رفع غزة من جديد الى جدول الاعمال العربي والدولي. اما حق العودة فهو مجرد منصة».

فقلت، ولكن هذا هو هدفنا أيضا. فاللواء فولي مردخاي سافر، الشهر الماضي، الى القاهرة، الى واشنطن (مرتين)، والى بروكسل في محاولة لاقناع حكومات عربية وغربية للعمل من أجل منع انهيار غزة. إذا سقطت غزة، فإنها ستسقط على حافة بوابتنا.

فأجاب أحد الضابطين: «غزة في أزمة شديدة. (حماس) في أزمة شديدة. ليس لديها انجازات. القطريون والايرانيون يحولون بعض المال. ولكن فضلا عن ذلك فإنها في عزلة تامة. يحيى السنوار، رئيس (حماس) في غزة، لا يسأل احداً. قراراته يتخذها وحده. فقد سار نحو مصر ونحو المصالحة مع ابو مازن. وفشلت الخطوة بسبب ابو مازن. ماذا تبقى له لفعله؟ للمصالحة مع السلطة الفلسطينية لا يكاد يكون هناك أمل. معركة اخرى مع اسرائيل لا يريد. فهو يعرف انه سيتعرض فيها لضربة شديدة، ولن يحقق شيئا. وبشكل لا مفر منه تلبس مبادرة الاحتجاج الاهلية».

من ناحيتي، قلت، هذه فكرة صحيحة.

قال الضابطان: «نعم، ولكن عندما فعل هذا يوم الجمعة الماضي فانه عمل على طريقته. كان في أجنحة المتظاهرين خلايا مسلحة. أرادت اقتحام الجدار من أجل اشعاله، خطف جنود، وربما اقتحام أحد الكيبوتسات. بين الجموع هناك افراد، من رجال النخبة، الوحدة المتقدمة لـ»حماس»، ممن يخبئون المسدسات، السكاكين، مواد التخريب، تحت ملابسهم. فكانت نيتهم ان يصبحوا قوة مقاتلة».

فقلت: انه قتل في الجمعة الاولى 19 أو 20 فلسطينيا.

فقالا: «ثلث القتلى مخربون مسلحون. 40 في المئة نشطاء من المنظمات. أحدهم قائد سرية في النخبة. معظم الآخرين شخصوا كمحرضين مركزيين. الاول الذي قتل كان مزارعا، خطأ في تشخيص دبابة».

التعليمات التي نزلت من رئيس الاركان واضحة. من حق الجندي أن يطلق النار في ثلاثة أوضاع: اذا كان في خطر على الحياة، اذا شخِص مسا بالبنى التحتية للدولة، واذا شخِص محرضين مركزيين. وفي الحالة الثالثة هو ملزم بان يتلقى اذنا من القائد. وكما أسلفنا، بداية يطلق النار في الهواء، وبعد ذلك على الجسد.

«لنفترض أن 400 شخص كانوا اقتحموا الى ما وراء الجدار الحدودي»، قال احد الضابطين. «نحن كنا ملزمين بايقافهم بالنار. ووقع بينهم 50 قتيلا على الاقل. هذا سيكون حدثا استراتيجيا. وسيكونون ملزمين بالرد. ونحن ايضا سنكون ملزمين بالرد. عمليا، في اعمالنا الموضعية نحن نمنع الحرب. لا توجد اوضاع انتقالية في غزة. اذا بدأنا مرة اخرى فستكون صواريخ على عسقلان وبئر السبع والقدس. الناس لا يفهمون هذا».

فقلت: إني رأيت الجموع تتدفق باتجاه الحدود. وكان فيهم نساء واطفال.

فردا: «هناك من جاء لأنهم يوزعون الماء والطعام. هذا هو الوضع في غزة. وتوجد تعرفة: 3 آلاف دولار (للقتيل)، 500 دولار للجريح بجروح خطيرة، 300 للجريح بجروح متوسطة».

عدت الى الحرش الشجري، مقابل معبر كارني. وكانت الساعة الثانية بعد الظهر، ساعة انتهاء الصلاة في المساجد. حول برج المياه وصلت الجموع تُقدّر بعدة آلاف قليلة. صعد دخان اسود من اربع نقاط اخرى من الشمال ومن الجنوب. تداخلت صافرات سيارات الاسعاف مع هتافات الجموع وبيانات التحذير من الطرف الاسرائيلي. اطار يلحق اطارا. والى المنطقة وصل دادي سمحي، ممثل رجال الاطفاء، مع وحدته المختارة، 36 رجل اطفاء لقبوا وحدتهم باسم «لاهفا»، الاسم ذاته الذي اختارته احدى الجماعات الكهانية.

وجلب رجال الاطفاء خراطيم المياه التي استخدمت ضد الاطارات. كما جلبوا مروحيات كبرى، دافعة للريح.

الى الأسيجة وصل نحو 20 الف غزي. نصف ما جاء يوم الجمعة الماضي.

كما أن عدد القتلى هبط الى النصف – تسعة بالاجمال. ولكن الاعداد لا تغير في الامر شيئا: من ناحية «حماس» كان هذا «انجازا «، فهم يحققون في هذه الاحداث اكثر مما حققوا في «الرصاص المصبوب»، «عمود السحاب»، و»الجرف الصامد»، قال لي احد الضابطين.

واحد من التسعة كان الصحافي ياسر مرتجى. موته هو الضرر الاكبر للكفاح الاسرائيلي في سبيل الرواية اثناء نهاية الاسبوع. سألت جهة مسؤولة في الجيش الاسرائيلي كيف حصل أن شخصا يرتدي سترة واقية مكتوبا عليها صحافة بالانجليزية قتل بالنار؟ فكان الجواب: «نحن نفحص. لا توجد أوامر في الجيش الاسرائيلي لاطلاق النار على الصحافيين».

ولكن هذه القصة ليست لعبة محصلتها صفر. انجاز الجيش الاسرائيلي في يومي المواجهة لا بأس به: فهو لم يسمح باقتحام الجدار، ولم يتدهور الوضع الى مواجهة شاملة، ولم يخرق سكينة العيد في البلدات. وقال لي احد الضابطين: «لم تكن أي صافرة انذار اثناء العيد». وأضاف: في هذا الانجاز يوجد نصيب وفير لـ»حماس». فليس مجديا لها اطلاق القسامات وبالتالي فإنها لا تطلقها. هذه الايام تثبت انه عندما تريد فان لديها سيطرة كاملة في الميدان.

فشل الجيش الاسرائيلي يوجد في جبهة اخرى؛ في اقناع القيادة السياسية القيام بعمل ما إيجابي لمنع انهيار غزة. وثائق عسكرية تطرح أفكارا مختلفة، بينها نقل الحكم في غزة من «حماس» الى السلطة الفلسطينية أو الى تجمع من دول الجامعة العربية. تتحدث الوثائق عن استثمارات في غزة، بما في ذلك استثمارات من حكومة اسرائيل، في اعادة بناء البنى التحتية المدنية، المياه، المجاري، الكهرباء، وغيرها. غزة يمكنها ان تهددنا بوسائل لم نعرفها بعد. مثلا، بوباء ينتشر الى اسرائيل. أو ربما بعلم أبيض يرفع ذات يوم على كل بيوت غزة. ماذا نفعل عندها؟

عن «يديعوت»



مصدر الخبر

Facebook Comments

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.