بقلم: د. رويتل عميران

“من المكان الذي نكون فيه محقين، لن تنبت أبدا زهور في الربيع”، كتب قبل سنين الشاعر يهودا عميحاي. عند مراجعة موقف إسرائيل تجاه غزة، يمكن بوضوح أن نلاحظ بأنه بالفعل “المكان الذي نحن فيه محقون مسحوق وصعب”، مثلما تقول القصيدة.

احداث نهاية الاسبوع الماضي، والتي قتل فيها 16 فلسطينيا واصيب المئات، كانت سيناريو مكتوبا مسبقا. وباستثناء رئيسة “ميرتس” تمار زيندرغ وممثلي القائمة المشتركة، منحت ردود الفعل من اليمين ومن اليسار مقاتلي الجيش الاسرائيلي الاسناد الكامل. ممثلو اليمين، الذين لم يخشوا المس باستقامة الجيش الاسرائيلي وقيمه وجعلوه أداة مناكفة سياسية في حالة أليئور أزاريا، تحفزوا فجأة امام دعوة زيندبرغ التحقيق في الاحداث.

في ضوء سوابق الماضي، لن يكون غير معقول الافتراض بان الجيش الاسرائيلي نفسه سيجري فحصا داخليا وتحقيقا عملياتيا في سلوك القوات. وبالتأكيد اذا كانت هناك أوامر غير قانونية على نحو ظاهر. فقادة الجيش الاسرائيلي يفهمون بأن هذه مصلحة اسرائيلية سواء للاغراض العسكرية الداخلية أم لغرض الوقوف في وجه الضغوط الدولية. ولكن لا يمكن لأي سياسي من اليمين أن يفوت الفرصة لتحقيق عطف جماهيري واستعراض العضلات الوطنية الزائفة على حساب كبش فداء هو في كل الاحوال مشبوه دائم بالخيانة.

وبعد أن قلنا كل هذا، يجب ان نشدد على ان الجيش الاسرائيلي ليس هو الموضوع. فالجيش ليس مسؤولا عن سياسة اسرائيل تجاه غزة والمهام الذي تبعثه الحكومة الاسرائيلية للقيام بها، بما فيها المواجهة مع السكان المدنيين. وعلى الخطاب الجماهيري المركزي بالتالي أن يركز على الحكومة وقدرتها على انتاج حلول تجاه غزة. رغم الاخطارات المتكررة من رجال الامن، بل وسياسيين من اليمين (اسرائيل كاتب مثلا) بان غزة على شفا مصيبة انسانية، تختار حكومة اسرائيل على مدى السنين اغماض العيون، التمترس في موقفها المدعي للحق والامتناع عن كل محاولة لايجاد حل يرفع الحصار عن غزة ويحافظ على المصلحة الامنية لاسرائيل. تخدم هذه السياسة اليمين المتطرف، الذي يتطلع بكل سبيل الى الحفاظ على القطيعة بين غزة والضفة واذابة رؤيا الدولتين للشعبين. والى جانب ذلك تحكم علينا هذه السياسة بمواجهات لا تتوقف حيال القطاع وبالضغط الدولي.

وفقا لكل التفسيرات، فإن الانتفاضة الحالية في غزة هي ثمرة تمرد السكان الذين ملوا شروط حياتهم المستحيلة والشعور بانعدام المفر. حتى لو سيطرت “حماس” الارهابية على التمرد فإن نواته الاجتماعية السياسية، تلك التي تطالب بحقوقها الوطنية، تعيش في جذوره. اذا واصل عشرات آلاف الفلسطينيين غير المسلحين المسيرة الجماهيرية على مدى مواعيد ذات مغزى للوطنية الفلسطينية، فلن تتمكن اسرائيل من مواصلة التمترس في الاطار العسكري لحدث المسيرة، بل ستضطر الى خلق تفكير سياسي او التورط مرة اخرى في الحرب وفي المس بكثير من المدنيين.        

حتى لو لم يكن حل المشكلة الفلسطينية في متناول اليد، من المتوقع من ممثلينا في الكنيست وفي الحكومة أن يعودوا الى عقولهم وان ينتجوا مبادرات ابداعية لاعمار غزة؛ مبادرات اقتصادية، انسانية ترتبط بالاصوات العاقلة في المنطقة المنكوبة وتشركهم مثلما تشرك مصر، السعودية، الولايات المتحدة والدول الاوروبية في خطوة مشتركة. مثل هذه الخطوة تتطلب شجاعة وزعامة. في الوضعية السياسية الحالية، التي ينشغل فيها رئيس الوزراء في التحقيقات ويستمد الاسناد البقائي من اليمين الاستيطاني، فان احتمالاته ضعيفة. ينبغي الامل في أن المعارضة الاسرائيلية، التي تعد هذه لها فرصة لاظهار تميزها، الى جانب الاسناد للجيش الاسرائيلي، ان تطالب ايضا وتقترح بدائل واقعية تبث الامل.

عن “معاريف”



مصدر الخبر

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *