صحيفة الأيام

يوم الإذاعة هو يوم الحب


تم تخصيص يوم الثالث عشر من شباط من كل عام كيوم للإذاعة فيما يحتفل العشاق بيوم الحب في الرابع عشر من الشهر نفسه، والمذياع بالنسبة لي هو حكاية حب انتهت وبقيت ذكرياتها في القلب، فيما لم يخبر أولادي من هذا الجيل الجديد المذياع ورأوه في دروس المدرسة، وربما في الأفلام القديمة، وأذكر أن طفلتي الصغيرة قد شاهدت مذياعاً صغيراً كنت قد أخفيته في مكتبة البيت وقد علاه الغبار فصرخت في تعجب : انظري يا ماما إلى المذياع، وقد اكتشفتُه حين كنت أبحث عنه وعثرت عليه قبلي بالصدفة، وكنت أبحث عنه تحت وقع القصف إبان الحرب الأخيرة على غزة، وكنت أريد متابعة الأخبار فيما انقطعنا عن وسائل التواصل الأكثر حداثة.

كان المذياع للصغيرة بمثابة اختراع قد أكل عليه الزمان وشرب، ولكنه بالنسبة لي ذكريات جميلة وقصة حب طواها الزمان ولم يطوِ صفحاتها القلب، وربما من أسباب حبي للمذياع أن أمي رحمها الله كانت متعلقةً به لدرجة كبيرة حتى عمر متقدم، وكانت دوماً تُحدثنا عن المسلسلات الرمضانية التي كانت تتابعها في ساعة الإفطار، وعن المسابقات والفوازير الإذاعية التي كانت تجتهد في حلها، كما أنها قد حفظت عن ظهر قلب الكثير من الأغاني القديمة خاصة أغاني عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وكانت تبكي كلما انبعث صوت فريد وغنى: يا حبايبي وحشتوني تعالوا .. مطرحكم لسه على حاله.

وكانت تضحك وهي تبوح لنا بسر وبصوت هامس لكي لا يسمعها أبي، وسرها أنها كانت تصحب الراديو الصغير معها إلى الحمام لكي لا تفوتها حلقة من مسلسل لا تتجاوز مدة بثه ربع الساعة، كما أنها كانت تتابع برنامج “ما يطلبه العائدون” من خلال إذاعة صوت فلسطين، وتأمل بأن تسمع إهداءً خاصاً لها من إخوتها وأقاربها الذين هُجروا من فلسطين إبان النكبة، ولكن يبدو أن الحياة قد شغلتهم عن متابعة الراديو أو أن تعلُّق أمي بالمذياع جعلها شاعريةً أكثر مما ينبغي.

وكان من الطبيعي أن تتفتح مشاعري مع تعلق أُمي بالمذياع وأصبح له مكانه في بيتنا ونبدأه في الصباح الباكر مع الإذاعة البريطانية الناطقة باللغة العربية، وفي تمام السادسة صباحاً بتوقيت فلسطين، وحيث هو الموعد المحدد والمقدس لاستيقاظنا لكي نذهب إلى المدرسة، وقد كان المذياع ينتقل من أعلى المرآة حيث يحلق أبي ذقنه وشاربه إلى مائدة الطعام، حيث نلتهم فطورنا على عجل، ولكن أبي لم يكن ينسى ان يكيل شتيمة مهذبة للمذيعة التي ينطلق صوتها من إذاعة إسرائيل الناطقة بالعربية وهي تنعت حركة فتح بأنها حركة فتح التخريبية، وهكذا بدأنا نحب فلسطين، ونقتات السياسة منذ صغرنا، ولكنني انتقلت لأحب أغاني الحب في غياب أبي عن البيت، ولم يكن أحد ينتهرني وأنا أسجل برامج الإذاعة على ورقة لكي لا تفوتني أغنية طويلة لام كلثوم، وكنت أسمعها لأول مرة ولكنها كانت تذاع للمرة المائة ربما، وهكذا كان هناك حب ضائع في حياتي ولكن مشاعري المرهفة والرقيقة قد تشكلت مع المذياع، وأصوات المذيعات المصريات الرقيقات أمثال المذيعة الشهيرة إيناس جوهر.

ربما كانت الإذاعة التي لم تحقق لنا الرؤية البصرية هي من اصدق وسائل التعبير عن المشاعر، والأكثر ربطاً لنا بالعالم الخارجي حيث الخيال يلعب دوره، فيما لا يلعب الخيال مع وسائل التواصل الحديثة والتقنيات التي تتطور عاما بعد عام.

في يوم الحب “الفالنتاين” تتطور الهدايا وتتجمد المشاعر ويكثر الكذب، وفي يوم الإذاعة الذي أقرته الأمم المتحدة مع ذكرى تأسيس إذاعة الأمم المتحدة في العام 1946 يكون الحب في اصدق حالاته من قبل جيلي ومن سبقوني، ممن كان يعني لهم المذياع وسيلة مهذبة وراقية وعلنية ومعترفا بها للتعبير عن مشاعر نشعر بها ولا نتفوه ببنت شفة، ولكننا نترك العنان لخيالنا، وللمطربين القدامى، والمذيعات رقيقات الصوت لينقلن إهداءاتنا الموقعة بأسماء مستعارة لأحبتنا، وربما نقلت إهداءً رقيقاً من إحدانا لحبيب طال هجره، ولكن الإهداء يذاع بعد أن تصل الرسالة متأخرة جداً لبريد الإذاعة، بعد أن يتزوج الحبيب من جارة قريبة، ويصبح ما شعرنا به مجرد ذكرى مثل تلك التي ركنتُها على رف مكتبة بيتي وعثرَت عليها صغيرتي.



مصدر الخبر

Click to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

أخبار ساخنة

To Top